أخي الحبيب .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
أنت تسافر في كل حين .. تبحث عن تجارب الآخرين وتنظر في آثار السابقين .. سافر معنا خمس دقائق أو تزيد ـ لترى موقفاً سيمر عليك بمفردك وستقف معه وحدك … شئت أم أبيت …
إنه موقف مرَّ به المؤمن والكافر والبر والفاجر .. الذكر والأنثى والصغير والكبير .. بل حتى الأنبياء والرسل مرَّ بهم الموقف المهول واللحظات الحاسمة .
لا يزعجك الخوف فلا فائدة منه لدفع الموت ولا لرده ، بل تأمل ساعات النهاية لهؤلاء ، احسب نفسك منهم فلكل حي نهاية .. وربما يكون لك في ذلك عبرة ، فأنت من الأموات غداً .. ومن أصحاب القبور .. سآخذ بيدك وتأخذ بيدي في رحلة نوانس بعضنا وتلتقي فيها قلوبنا … فنحن رفقاء طريق …
فإن لخروج الروح آلاماً وشدائد .. فهي تنزع من الجسد وتجذب معها العروق والأعصاب ، ألم تر أن الميت ينقطع صوته وصياحه من شدة الألم ! ..
إنه مشهد مؤثر وموقف لن يتكرر ..
إنه مشهد الموت ولحظات الاحتضار .. عندما تبلغ الروح الحلقوم ، وترتفع من كل مفصل ويتحشرج الصدر وتذرف العينان ..
عندها يتيقن ويتأكد الفراق .. ويأتي هذا التأكيد بطوي القدمين .. ورفعهما من الدنيا وكأنك تودِّع حياة الجري والسعي في هذه الأرض إلى دار الجزاء والحساب .. قال تعالى في أحسن وصف لهذا المشهد { وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ } سورة القيامة : الآية 29 .
عندها تبدأ مسيرة الآخرة .. ورحلة الجزاء والحساب : { إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ } سورة القيامة : الآية 30.
حال مَنْ يرى ظلالاً من الحزن وساعات من الندم وتفكر في المال والمصير ..
فالموت حقيقة قاسية رهيبة ، تواجه كل حي ، فلا يملك لها رداً ، ولا يستطيع لها أحدٌ ممن حوله دفعاً ، وهي تتكرر في كل لحظة ، وتتعاقب على مر الأزمنة ، يواجهها الجميع صغاراً وكباراً ، أغنياء وفقراء ، أقوياء وضعفاء ، ومرضى وأصحاء ، قال الله تعالى : { قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } سورة الجمعة : 8.
نهاية الحياة واحدة ، فالجميع يموت { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ } سورة آل عمران : 185.
إلاَّ أن المصير بعد ذلك مختلف { فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } سورة الشورى : 7.
والله عزَّ وجل خلق الموت والحياة لشأن عظيم وأمر جسيم ، فقال تعالى : { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ } سورة الملك : 2.
وقد وصف سبحانه وتعالى شِدَّة الموت في أربع آيات :
الأولى : قول الحق سبحانه وتعالى { وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ } سورة ق : 19.
الثانية : قول الحق سبحانه وتعالى { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ } سورة الأنعام : 93.
الثالثة : قوله تعالى { فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ } سورة الواقعة : 83.
الرابعة : قوله تعالى { كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ } سورة القيامة : 26.
وقال تعالى يصف مشهد الموت بتفصيل عجيب وتصوير متتابع لهذا الحدث العظيم : { كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ } سورة القيامة : 26-29.
وقال تعالى في أصدق وصف وأحسن تعبير : { وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ } سورة ق : 19-20.
إنها والله ساعة مهولة ذات كرب شديد ، وما بعدها إلاَّ وعد أو وعيد ، لو تفكرت في حلولها وأنت في نعيم وهناء لتكدرت حياتك ولهانت الدنيا عندك ، وصغر عظيمها في عينك ، ولتبذل فرحك حزناً وسعادتك كدراً .. كيف لا ، وأنت تفارق المال والولد ، والأحباب والأصحاب إلى دار الجزاء والحساب ، أهوالٌ تهون عندها أهوال .. حتى تنتهي في رحلة طويلة شاقة إلى أحد الفريقين :






















